السيد هاشم البحراني

464

البرهان في تفسير القرآن

الدين ، وأن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والأئمة ( عليهم السلام ) قد نهوا عنه ، فقال الصادق ( عليه السلام ) : لم ينه عنه مطلقا ولكنه نهى عن الجدال بغير التي هي أحسن ، أما تسمعون الله عز وجل يقول : ولا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) * « 1 » وقوله تعالى : * ( ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) * ؟ فالجدال بالتي هي أحسن قد قرنه العلماء بالدين ، والجدال بغير التي هي أحسن محرم ، حرمه الله تعالى على شيعتنا ، وكيف يحرم الله الجدال جملة وهو يقول : وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى ) * وقال الله : تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ « 2 » ؟ فجعل الله علم الصدق والإيمان بالبرهان ، وهل يؤتى بالبرهان إلا في الجدال بالتي هي أحسن ؟ قيل : يا بن رسول الله ، فما الجدال بالتي هي أحسن والتي ليست بأحسن ؟ قال : أما الجدال بغير التي هي أحسن ، بأن تجادل مبطلا فيورد عليك باطلا فلا ترده بحجة قد نصبها الله ، ولكن تجحد قوله ، أو تجحد حقا يريد ذلك المبطل أن يعين به باطله ، فتجحد ذلك الحق مخافة أن يكون له عليك فيه حجة ، لأنك لا تدري كيف المخلص منه ، فذلك حرام على شيعتنا أن يصيروا فتنة على ضعفاء إخوانهم وعلى المبطلين ، أما المبطلون فيجعلون ضعف الضعيف منكم إذا تعاطى مجادلته وضعف [ ما ] في يده حجة له على باطله ، وأما الضعفاء فتغم قلوبهم لما يرون من ضعف المحق في يد المبطل . وأما الجدال بالتي هي أحسن ، فهو ما أمر الله تعالى به نبيه ( صلى الله عليه وآله ) أن يجادل به من جحد البعث بعد الموت وإحياءه له ، فقال الله تعالى حاكيا عنه : وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَه قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وهِيَ رَمِيمٌ ) * « 3 » فقال الله في الرد عليه : قُلْ يا محمد يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْه تُوقِدُونَ « 4 » إلى آخر السورة ، فأراد الله من نبيه ( صلى الله عليه وآله ) أن يجادل المبطل الذي قال : كيف يجوز أن يبعث الله هذه العظام وهي رميم ؟ فقال الله تعالى : قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ أفيعجز من ابتدأه لا من شيء أن يعيده بعد أن يبلى ؟ ! بل ابتداؤه أصعب عندكم من إعادته ، ثم قال : الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ ناراً أي : إذا كان قد أكمن النار الحارة في الشجر الأخضر الرطب يستخرجها ، فعرفكم أنه على إعادة ما يبلى أقدر ، ثم قال : أَولَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ « 5 » أي إذا كان خلق السماوات والأرض أعظم وأبعد في أوهامكم وقدركم أن تقدروا عليه من إعادة البالي ، فكيف جوزتم من الله خلق هذا الأعجب عندكم ، والأصعب لديكم ، ولم تجوزوا ما هو أسهل عندكم من إعادة البالي ؟

--> ( 1 ) العنكبوت 29 : 46 . ( 2 ) البقرة 2 : 111 . ( 3 ) يس 36 : 78 . ( 4 ) يس 36 : 79 - 80 . ( 5 ) يس 36 : 81 .